جعفر بن البرزنجي

449

الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر ( ص )

وعدل صلى اللّه عليه وسلم إلى حراء ، وخشي أن يدخل مكة إلا في جوار ، فبعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره ، فقال : أنا حليف والحليف لا يجير . فبعث إلى سهيل بن عمرو فقال : إن بنى عدىّ لا تجير على بنى كعب ، فبعث إلى المطعم بن عدىّ فأجابه إلى ذلك ، وتسلح هو وأهل بيته ، وقعد في المسجد ، وبعث إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن ادخل وعد إلى بلدك ، فدخل مكة في جوار المطعم بن عدىّ ، ولا بدع في دخوله صلى اللّه عليه وسلم في أمان كافر ؛ لأن حكمة الحكيم القادر قد تخفى . ثم لم يزل أصحابه صلى اللّه عليه وسلم وأعوانه يكثرون ويتقوون على أعدائهم شيئا فشيئا إلى أن أمكنه اللّه من نواصي أعدائه فأذاق من بقي منهم على كفره الهوان ، وأدخل من خضع منهم لعزته مأمن البقاء والأمان . وقد أشار صاحب الهمزية - رحمه اللّه - إلى أن هذه الأذيّات لا يظن ظانّ أنها منقصة له صلى اللّه عليه وسلم بل هي رفعة ومكانة عند ربه ؛ لكثرة صبره صلى اللّه عليه وسلم ، وحلمه ، واحتماله ، مع علمه صلى اللّه عليه وسلم باستجابة دعائه ، ونفوذ كلمته عند اللّه تعالى . وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « أشد الناس بلاء الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام » « 1 » . وذلك سنة من سنن النبيين السابقين عليهم الصلاة والسلام بقوله : لا تخل جانب النّبىّ مضاما * حين مسّته منهم الأسواء « 2 » كلّ أمر ناب النّبيين فالشّ * دّة فيه محمودة والرّخاء لو يمسّ النّضار هون من النّا * ر لما اختير للنّضار الصّلاء « 3 » أي لا تظن أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم حصل له الضّيم وقت مسّه الأذيّات حالة كونها صادرة منهم ؛ لأن كل ما يلاقيه الأنبياء من مقاساة الأهوال والشدائد زيادة في

--> ( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ( 3 / 343 ) . وانظر : كنز العمال ( 6780 ، 6781 ) ، المغنى عن حمل الأسفار للعراقي ( 4 / 28 ) ، إتحاف السادة المتقين ( 8 / 121 ) . ( 2 ) ضامه : أي ظلم . والأسواء : الإساءات . ( 3 ) النضار : الذهب . والهون : الإهانة . والصلاء : العرض على النار . والأبيات في المجموعة النبهانية ( 1 / 84 ) .